التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطائفية السياسية مأزق الشعوب العربية



ظاهرة التطرف الفكري قضية المجتمعات المعاصرة، وتعود جذورها إلى التنشئة الاجتماعية كونها ظاهرة اجتماعية تؤثر وتتأثر بالعوامل والظروف المحيطة. تعتمد على إقصاء وعدم تقبل الآخرين سواء في أفكارهم أو معتقداتهم ما دامت تخالف توجهاتهم وآراءهم، وقد تصل إلى اعتماد النظرة الدونية والتهجمية في التعامل تحت بند (إن لم تكن معي فأنت ضدي).

التطرف والعنف وجهان لعملة واحدة، كونهما يجسدان نهج الإقصاء ومحاربة الآخر، وهذا ما نشاهده على الصعيد السياسي في الأعوام الأخيرة، والمتمثل في تعدد الانقسامات بين أفراد المجتمع الواحد، وتصل الخطورة إلى انقسامات داخل الأسرة الواحدة، وفقاً لتباينات واعتقادات غير منطقية، ولا تمثل الهوية الوطنية، ولكن ذلك ما هو إلا نتيجة ما غرس في العقول، وتشبثت به الأذهان على مر الأعوام، ما نتج عنه ما نشهده ونأسف عليه، ونحاول الآن إصلاحه وضبط تبعاته، ولكن هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟


ما نواجه الآن من صراعات طائفية ومذهبية هو ما أنتجه الخطاب الديني المتشدد الذي قام على تهييج المشاعر وشحن العواطف وقولبة الوقائع في سياقات متعددة، اتخذت أبعاداً لا يحمد عقباها، فابتذال الخطاب الديني من قبل بعض الفئات التي تمارسه بمعزل عن الضوابط الصحيحة، وأهدافه النبيلة، نتج عنه بالغ الضرر بالفرد والمجتمع ومستقبل الأوطان وأمنها في وقتنا الحالي. كما أنه أسهم في خدمة التنظيمات الإرهابية التي تسعى لإثارة الفوضى وتهديد السلم والاستقرار في دول العالم، وقام أيضاً بتغذية الفكر الضال المتطرف الذي يقوم على الغلو والتشدد واستباحة الدماء والأعراض، ويسعى إلى التغرير بالشباب واستقطابهم للقتال في مناطق الصراع باسم الجهاد وخدمة الدين.

الخطاب الديني في معناه السامي والحقيقي يهدف إلى إيصال ما شرعه البارئ عز وجل إلى الناس بالأسلوب الأمثل، ليحقق لهم الخير والصلاح واستقامة الحال. فهو يجب أن يكون بعيداً عن الابتذال أو الاستغلال والتأويل والتحريف الذي يؤدي إلى الإضرار بمصالح البلاد والعباد. فهو خطاب متكامل يلامس الفطرة قبل العقل، وينير الوجدان ليسمو بالإنسان، ويقوم على مبدأ الإخلاص والتجرد في الدعوة لدين الحق.

من صور التطرف الفكري تظهر الطائفية .. وتحديداً السياسية، والتي ينتج عنها في جميع الحالات صراعات على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ما يؤدي إلى تهديد استقرار الدول بشكل عام ومؤسساتها بشكل خاص. وقد يرى بعض المفكرين أن الطائفية لم تشكل أزمة في قديم الزمن، بل مصدراً من مصادر قوة واجتهاد علماء الأمة، وسبيلاً يمنع التفرقة والانقسام، وذلك لما خص الله به هذه الأمة من سمات التجدد والتفكر بفضل العلم والمعرفة، كما أن الاختلاف سنة كونية إلهية لا جدال فيها ولا تبرير سوى أن الله أراد ذلك لعباده. إذا كنا نختلف في أذواقنا لمستلزماتنا، فما بالكم في اختلاف الأطياف والأعراق والأديان؟
ما نحن بحاجة إليه في ظل هذه الأزمة التي تعد فتنة شرها مستطير وعظيم هو إيجاد أرضية تتفق فيها الأطراف المختلفة وتحترم بعضها البعض. وأن تتم الاستفادة من الاختلاف بما ينعكس على واقع المجتمعات بنهضة حضارية وفكرية تتقبل الآخر وتدافع عنه وتحميه وتصون كرامته وتحفظ حقوقه، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية بعيداً عن الفساد والضلال من منطلق ما تقره الفطرة الإنسانية القويمة دون أي اعتبارات أو خدمة مصالح.

لم يعد الوضع الراهن يحتمل مزيداً من السوء، فضعف روابط النسيج الاجتماعي بسبب الخلافات والتعددات يسهل النيل لمن يريد الفتك بنا وبمعتقداتنا وثوابتنا وحضارتنا الإسلامية العربية وكأننا نهدم مستقبل الأجيال بصنع أيدينا.
قال الله تعالى: (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون). فليكن تعايشنا مع بعضنا البعض من أجل من نحن له موحدون وبعظمته مؤمنون، ومن أجل «وطن» بنا ينهض ويزدهر، ومن أجل حياة إنسانية حرة كريمة تقوم على الخير والفضيلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقال : الثوابت الراسخة للسياسة الخارجية السعودية

استطاع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن يلفت الأنظار إلى خطواته الواثقة تجاه مستقبل المملكة . والبداية كانت برسم ملامح هذا المستقبل باعتماد الرؤية الاقتصادية الواعدة   2030 ، والتي تمنح للمملكة العربية السعودية أبعاداً ريادية ناجحة في عدد كبير من المجالات والاصعدة .  ومما لا شك فيه أن الأمير محمد بن سلمان بات ظاهرة وعلامة فارقة تستحق التوقف عندها فهو المثال الحي ل عزم الشباب وجرأة اتخاذ القرار، فمن خلال تصريحاته التي تتسم بالجرأة والشفافية بكل ثقة واقتدار، وانجازاته التنموية التي يحتفي بها افراد الشعب السعودي على ارض الواقع، نجد انه شابا طموحا وسياسيا محنك يمتلك الفهم العميق للمصلحة الوطنية داخليا وإقليميا وعالميا، بنظرته الثاقبة لمستجدات الأوضاع في العالم وكما نعلم ان المنطقة تشهد اضطرابات سياسية عديدة ، تشكل تحديات مفصلية تعاملت معها المملكة وفقا لرؤية الملك سلمان بن العزيز و ولي عهده بحزم وعزم وباستراتيجيات جديدة تهدف الى إصلاحات سياسية جذرية تأخذنا الى شكل جديد لمفهوم العلاقات الخارجية للمملكة م...

انتهاك كرامة الأطفال بين السكوت والتحديات

يتعرض عدد كبير من الأطفال حول العالم لمختلف أنواع العنف المشينة بحق براءتهم وكرامتهم . وما زالت حقوق الأطفال والانتهاكات التي يتعرضون لها في جميع أنحاء العالم محل تساؤل تشير بعض التقارير العالمية إلى أن حالات انتهاك حقوق الطفل رصدت بنسبة كبيرة في الدول النامية وخصوصاً دول العالم العربي التي ترتفع فيها نسبة عمالة الأطفال، فهناك أربع صور رئيسة تمثل أساليب الاعتداء على الأطفال وهي: الانتهاك الجسدي، الانتهاك المعنوي، الانتهاك الجنسي، والإهمال؛ إلا أن الانتهاك الجسدي يعد أكثر أساليب العنف التي يتعرض لها الأطفال، وهو التعدي على الطفل بالضرب والتعذيب وتعريضه للجروح أو الإصابات البالغة  وغالباً ما يكون العنف الجسدي مصحوباً بعنف نفسي، فالإهانات والصد والتهديد والتحقير وانعدام الاحتواء العاطفي، كلها تندرج ضمن أشـكال العنف التي تؤثر على نفسية الطفل وتكوينه العاطفي والسلوكي، وخصوصاً حينمـا تأتيه من أحد الوالـدين، فيكون وقعها أشد ضرراً وتأثيراً، فالأسـرة تعد الوحـدة الجماعية الأساسـية والطبيعية للمجتمعـات، حـسب ما تـنص عليه المادة الـ١٦ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمــادة الـ٢٣...

كل انسان حر مالم يضر

الحرية مطلب إنساني مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمسؤولية فهي المحور الأساسي بين الإنسان ومجتمعه الذي يعيش فيه وبين الدولة التي يخضع لسلطتها . فالإنسان بدون حرية واستقلالية ذاتية يفقد كرامته لا يملك حياته وعلى أهواء الآخرين تسير توجهاته وقد يكون مجبرا من قبلهم على فعل ما يجهله أو يكره، لأنه يفتقر للإرادة وتنزع منه حرية الاختيار، وبدون مسؤولية أيضا يفقد إنسانيته ويصبح أسيرا بما تأمر به نفسه التي تفرض عليه إرادتها في مختلف الظروف والأحوال التي يعايشها ويمر بها وقد تناول العرب مسألة الحريات قبل غيرهم من الشعوب الأخرى منذ القرن التاسع عشر الميلادي، منادين بالحريات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية متأثرين ببعض الأفكار التحررية الغربية، والتي من خلالها يتطلعون إلى إيجاد فرص جديدة للحياة المدنية الحديثة، وكان لتلك الأفكار جملة من المرتكزات والثوابت القوية التي ساهمت في بناء حياة مدنية حديثة في معظم الدول العربية. فأخذت الحرية بعدا جديدا اذ أصبح الفرد يتعايش مع الآخرين وفق نظام اجتماعي يحول صراع الفرد إلى سلاما مستنير بينه وبين ذاته أولا وبين الأفراد في محيطه ثانيا، فيصبح الفرد ملزم...